العودة إلى المقالات
بيانات المقال

الإتاحة العامة على هذا الموقع: .

الاعتراف الذي لا يغيّر شيئًا

متى يصبح الاعتراف بالخطأ بديلاً عن التصحيح؟

عمار مرعي

في صيف عام 2003، بعد أشهر من تفكّك المكوك «كولومبيا» في أثناء عودته إلى الغلاف الجوي، أصدرت لجنة التحقيق الرسمية تقريرها. وفي الفصل الثامن منه، المعنون «التاريخ بوصفه سببًا»، جملة يستحق أن يقف عندها كل من يشتغل بالمؤسسات:

«رغم كل التغييرات التي أُجريت في وكالة ناسا بعد كارثة تشالنجر، ورغم إنجازات الوكالة الملحوظة منذ ذلك الحين، فإن أسباب الفشل المؤسسي المسؤول عن تشالنجر لم تُصحَّح».

وأضافت اللجنة أن المكوكين معًا، تشالنجر وكولومبيا، «فُقدا أيضًا بسبب فشل النظام التنظيمي في ناسا»؛ ونقلت عن الدكتورة سالي رايد، وكانت عضوًا في لجنتَي التحقيق كلتيهما، أنها لاحظت في كولومبيا «أصداءً» لتشالنجر.

أرجو أن ينتبه القارئ إلى ما تعنيه هذه الجملة في سياقها. فناسا لم تكن مؤسسة أنكرت خطأها. بعد تشالنجر سنة 1986 خضعت لتحقيق علني، ونُشر تقريره، وأُقرّ فيه موضع الخلل الفني والتنظيمي معًا، واعترفت الوكالة، وأعادت التنظيم، وأنشأت أجهزة للسلامة، وغيّرت إجراءات، ومضت سبعة عشر عامًا في العمل. ثم جاءت لجنة أخرى لتقول إن الأسباب المؤسسية لم تُصحَّح.

فليست القضية إذن أن المؤسسة لم تعرف. ولا أنها أنكرت. لقد اعترفت، ثم بقي الخطأ. وهذا ما أريد أن أفحصه في هذا المقال: ما الذي يفعله الاعتراف نفسه؟ ومتى يصير الاعتراف واحدة من الوسائل التي يبقى بها الخطأ، لا الطريق إلى الخروج منه؟

أربعة أشياء تفعلها المؤسسة بخطئها

حين يظهر خطأ في مؤسسة، فأمامها أربعة مسالك، لا مسلكان.

الأول الإنكار. أن تنفي الواقعة، أو تشكّك في الأرقام، أو تحيل الشكوى إلى سوء نية أصحابها. وهذا أخشن المسالك وأقلّها ذكاءً، ولا يصمد أمام الوقائع طويلًا. ولذلك هو أوضحها كشفًا، وإن كان أشدّها إيلامًا للمتضرر.

الثاني الاعتراف الشخصي. أن تُقرّ المؤسسة بأن ما جرى خطأ، وتحمّله على فرد أو أفراد: مسؤول أساء التقدير، موظف تجاوز صلاحيته، فريق قصّر في التنفيذ. فتُتّخذ إجراءات، ويُعتذر، وربما يُقال أو يستقيل أحد. وتبقى القاعدة التي أنتجت الخطأ في موضعها، غير مذكورة في التقرير أصلًا.

الثالث إعادة الوصف. أن يُعترف بالواقعة ويُنازَع في وصفها: لم يكن خطأً بل كلفة لا مفرّ منها، أو تضحية اقتضتها الظروف، أو ثمنًا لإنجاز أكبر. وهذا أشدّ المسالك قدرةً على إبقاء المؤسسة في صورة الصادق، لأنه يُخرج الواقعة من دائرة ما يُصحَّح من غير أن ينكر وقوعها.

والرابع الاعتراف البنيوي. أن يُعاد النظر في القاعدة نفسها: من يملك اتخاذ هذا النوع من القرارات، وعلى أي معلومات، وبأي عتبة، وبأي سلطة يستطيع المعترض أن يوقفه.

وأهمّ ما في هذه القسمة أن المسالك الثلاثة الأولى قد تنتج لغةً أخلاقية تبدو عالية. فالإنكار قد يتكلم باسم الأمانة العلمية، والاعتراف الشخصي باسم المحاسبة، وإعادة الوصف باسم الواقعية والمسؤولية. والفارق بينها وبين الرابع ليس في مقدار اللغة الأخلاقية، ولا في صدق قائليها، بل في أثر الاعتراف على السلطة والإجراء والذاكرة المؤسسية.

لماذا الاعتراف الشخصي أخطرها حين يحلّ محلّ المراجعة

أخصّ الثاني بالكلام لأنه قد يكون أشدّها مراوغة حين يُقدَّم بوصفه علاجًا كافيًا.

الاعتراف الشخصي يؤدي وظيفةً حقيقية بأقلّ كلفة بنيوية ممكنة. فهو يمنح الجمهور ما يطلبه: ثمنًا مرئيًا يدفعه أحد. ويمنح المؤسسة ما تحتاجه: بقاء القاعدة. بل إنه قد يعيد إنتاج شرعيتها، لأن مؤسسة حاسبت أحد رجالها تبدو مؤسسة تعمل. وبعد أن يُدفع الثمن المرئي، يصير من يطالب بمراجعة القاعدة كأنه لا يُرضيه شيء؛ فقد تحوّل مطلبه من مطلب عدل إلى مطلب زائد على العدل. ولا يعني ذلك إعفاء الأفراد الذين ارتكبوا خطأً واضحًا، بل يعني أن محاسبتهم لا تكفي حين يكون الخطأ نتيجة قاعدة أو بنية أوسع منهم.

وهنا موضع المفارقة التي أريد تسميتها: الاعتراف قد يكون آخر خطوط الدفاع عن الخطأ، لا أول خطوات الخروج منه. فالمؤسسة التي تعترف قد تمنح انطباعًا بأن السؤال انتهى، بدل أن تفتح الطريق إلى تغييره.

الاختبار

لهذا لا يكفي أن نسأل: هل قالت المؤسسة إنها أخطأت؟ السؤال الذي يميّز بين المسالك الأربعة سؤال واحد: ما الذي أصبح ممكنًا بعد قولها ذلك؟

وهو سؤال يتفرّع إلى أربعة يمكن طرحها على أي حالة. هل تغيّر القرار نفسه أم تغيّر وصفه؟ ومن دفع ثمن كشف الخلل: هل حُمي من كشفه، أم كان أول من دفع؟ وهل انتقل تعريف ما يُعدّ خطأً إلى جهة غير التي ارتكبته، أم بقي في يدها؟ وهل يستطيع المتضرر أن يرى أثر اعتراضه في القرار، أم يرى أثره في محضر اجتماع فقط؟

طبّق هذه الأسئلة على الحالة التي بدأنا بها. أُنشئت بعد تشالنجر أجهزة للسلامة، وهذا تغيير حقيقي في الإجراء. لكن لجنة كولومبيا وجدت أن جهاز السلامة ظل في موارده وسلطته تابعًا للبرنامج نفسه الذي يُفترض أن يراقبه. أي أن المؤسسة أضافت هيئة، ولم تنقل من يملك تعريف الخطر المقبول. فالاعتراض صار له مكان، ولم يصر له أثر. وهذا بالضبط ما تقوله جملة اللجنة: التغييرات جرت، وأسباب الفشل المؤسسي لم تُصحَّح.

يستطيع كارل بوبر أن يضيف إلى هذا السؤال معيارًا مؤسسيًا مهمًا. فالإصلاح عنده لا يكون مشروعًا شاملًا يدّعي معرفة الطريق كله، بل تعديلات جزئية قابلة للاختبار والتراجع. لكن حالة ناسا تكشف قيدًا إضافيًا: لا تكفي قابلية التغيير على الورق إذا بقيت الجهة التي أنتجت الخطأ هي نفسها التي تعرّف الخطر وتقيس نجاح الإصلاح. فالمشكلة ليست غياب التصحيح المعلن، بل غياب جهة تستطيع أن تجعل التصحيح نافذًا على من يملك القرار.

حين يصير النجاح حجّة ضد المراجعة

يبقى سؤال: لماذا تُقاوَم القاعدة تحديدًا، مع أن تغييرها في كثير من الأحيان أرخص من كلفة الكارثة؟

في قراءة ابن خلدون للعمران ما يضيء جانبًا من هذا. فالجماعة عنده لا تقوى في أولها لأنها تملك أجهزة مكتملة، بل لأنها تملك رابطة تجعل أفرادها يحتملون الكلفة معًا. ثم إن القوة التي بنت الجماعة تصير، مع الطور والزمن، امتيازًا يحمي من بلغوا مواقعهم داخلها، ويصير الحفاظ على الترتيب القائم أهمّ من الغاية التي بُرّر بها. ولا أستعمل ابن خلدون هنا لإثبات قانون تاريخي شامل، ولا أختزل فكره في دورة ميكانيكية؛ أستدعيه لمفارقة واحدة: ما يجعل الجماعة قادرة على الفعل في طور قد يجعلها عاجزة عن مراجعة نفسها في طور تالٍ.

وأثر هذه المفارقة في المؤسسات الحديثة مباشر. فحين تبلغ المؤسسة من النجاح ما يحميها من نتائج قراراتها، يصير تاريخها حجّةً في وجه حاضرها. تُستدعى الإنجازات لا للتعلّم منها بل للاستدلال بها على أن المراجعة غير لازمة، ويُقرأ كل اعتراض كأنه إنكار لما تحقّق. عندئذٍ لا يبقى الماضي خبرةً، بل يصير حصنًا يُمنع به السؤال. وقد كتب ريتشارد فاينمان في ملحقه الشخصي لتقرير تشالنجر سنة 1986 جملةً تلخّص هذا كله من جهة الطبيعة لا من جهة السلطة: «في التقنية الناجحة، يجب أن يتقدّم الواقع على العلاقات العامة، فالطبيعة لا تُخدَع».

أليست المراجعة الدائمة شللًا؟

هذا اعتراض جادّ لا يجوز الاستهانة به. المؤسسة التي تعيد فتح كل سؤال في كل لحظة لا تستطيع أن تعمل، والجماعة التي تعدّ كل قرار مؤقتًا إلى ما لا نهاية تفقد قدرتها على الالتزام.

لكن البديل من الشلل ليس إغلاق السؤال. القرار يمكن أن يكون نافذًا ومؤقتًا في آن: يُنفَّذ بجدّية، ولا يُرفَع فوق الفحص. والفرق بين المؤسسة القابلة للمراجعة والمؤسسة المترددة أن الأولى تحدّد سلفًا متى يُتخذ القرار، وبأي معيار تُراجَع آثاره، ومن يملك تعديله؛ بينما تترك الثانية ذلك كله للظرف والمزاج. المراجعة ليست نقيض الحسم، بل الطريقة التي يحمي بها الحسم نفسه من أن يصير عادة عمياء.

وينبغي أيضًا ألّا نحمّل الأفراد ما لا تحتمله البنية. قد يكون العاملون صادقين، مؤمنين فعلًا بالمبدأ الذي تعلنه مؤسستهم، ومع ذلك تعمل البنية في اتجاه آخر. بل إن المؤسسة التي لا تحتمل أن تقول إن قاعدتها أخطأت ستجعل من إخلاص أفرادها نفسه وسيلةً لحماية الخطأ: كلما ازداد الموظف إيمانًا بالغاية، ازداد استعداده لتبرير الوسيلة. ولهذا لا تكفي الدعوة إلى الصدق ولا إلى التواضع؛ فالصدق الشخصي فضيلة، وليس نظامًا للمراجعة.

خاتمة

لا تُقاس المؤسسة بعدد المرات التي أعلنت فيها مبادئها، ولا بخلوّ تاريخها من الخطأ، فهذا الخلوّ مستحيل. تُقاس بما يستطيع الخطأ أن يفعله فيها بعد أن يُعرَف: هل يتحوّل إلى تغيير في القاعدة، أم إلى فصل في سجلّ، أم إلى فقرة في بيان؟

وأخلص من ذلك إلى صيغة أعرضها للنقاش: أن الاعتراف ليس دائمًا خطوةً في طريق التصحيح؛ قد يكون بديلًا عنه، وقد يكون أنجع بديل، لأنه يستهلك الطاقة الأخلاقية التي كان يمكن أن تُنفَق على تغيير القاعدة. ولذلك فالسؤال الذي أوصي به من يعمل داخل مؤسسة ليس: هل اعترفت مؤسستي؟ بل هذا:

بعد آخر مرة قالت فيها مؤسستك إنها أخطأت، ما الذي صار في مقدور أحدهم أن يفعله ولم يكن في مقدوره من قبل؟


مصادر

Columbia Accident Investigation Board Report, Volume I (August 2003), ch. 8, "History as Cause: Columbia and Challenger": نصّ الفصل — والاقتباسات في المتن ترجمتي عن: "Despite all the post-Challenger changes at NASA and the agency's notable achievements since, the causes of the institutional failure responsible for Challenger have not been fixed" · "Both Columbia and Challenger were lost also because of the failure of NASA's organizational system" · "there were 'echoes' of Challenger in Columbia".

Richard P. Feynman, "Personal Observations on the Reliability of the Shuttle", Appendix F to the Report of the Presidential Commission on the Space Shuttle Challenger Accident (1986) — والاقتباس ترجمتي عن: "For a successful technology, reality must take precedence over public relations, for nature cannot be fooled."

ابن خلدون، المقدمة، أبواب العصبية والملك وأطوار الدولة · Karl Popper, The Open Society and Its Enemies: الكتاب.

© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذا المقال، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي.