العودة إلى المقالات
نص أرشيفي

من مرحلة سابقة من الكتابة والعمل الثقافي، يُعرض هنا بوصفه وثيقة من ذلك المسار، لا بوصفه صياغةً لمشروع المدرسة القيمية الحالي.

النشر الأصلي: 4 فبراير 2018 في أيام كندية.

قراءة المقال الأصلي

الثورة ما بين الإيمان والإلحاد

عمار مرعي

بعد زيارتي الأخيرة إلى باريس في آلة الزمن وجدتني أضع ملاحظاتي وأسجل الأحداث التي رأيت، والتي تجعل التناقض يبرز في المشهد ما بين ما نراه اليوم من تقدم كبير في حقوق الانسان والتحضر الهائل في التعاطي الديمقراطي في الشأن السياسي والتخلص من العبودية وتقديس الحرية والعدالة - (بغض النظر عن التجاوزات الخطيرة أحياناً هنا وهناك) والذي يُعزَى جزء كبير منه إلى الثورة الفرنسية وما بين ما وقع من أحداث مؤلمة ودموية في تلك الايام والتي سجلتها في رحلتي الزمنية السابقة والسؤال الذي يطرح نفسه بشدة في ذهني كيف نوفق بين الثورة الفرنسية من حيث كونها أيقونة الحرية والمساوة، وما بين القتل والدم الذي سال فيها، لابد لنفهم أكثر أن نسافر بآلة الزمن ونلتقي أشخاصاً ينتمون للمكونات المختلفة لتلك الحقبة كما اتفقنا في المقالة السابقة.

تقلع بنا آلة الزمن لتحط في ذات الزمان والمكان.

باريس في عز ثورتها، مجموعات من الناس تسير بغير هدى، ثائرةً، تمر من أمام كنيسةٍ، على بوابتها شخص يراقب ما يجري تبدو عليه سيماء الحكمة والثقافة، قررت أن أذهب إليه محاولاً أن أستطلع رأيه حول ما يجري.

-مرحبا ياسيدي.. -أهلا وسهلاً.. –هل تسمح لي أن أقف هنا بعيداً عن الناس –بالتأكيد تفضل، يبدو لي أنك غريب؟

–أجل، أنا عابر سبيل من اليونان، حط رحالي في باريس من أجل بعض الأعمال، ثم وجدت نفسي أمام صخبٍ شديد أحاول أن أفهمه..

–أهلاً بك لقد جئت في وقتٍ خطيرٍ جداً إنها الثورة يا عزيزي

-وهل الكنيسة راضية عنها

–بالتأكيد لا، كيف لها ذلك وقد أعلن قادة الثورة عداءهم للكنيسة

–إذا هم غير مؤمنين

– كلا بل هم مؤمنون

–لقد تهت ياسيدي ارجوك أن تشرح لي وسأنصت لك دون مقاطعة

-اسمعني أيها الغريب: إن رجال الدين كانوا من الطبقة الاولى في المجتمع تحت ظل عرش المملكة الفرنسية وكانوا يتمتعون بسلطات واسعة وكل ذلك باسم الرب والشعب المسكين المرهق هو من يدفع الثمن فكانت نسبة من الضرائب تعود إلى رجال الدين مباشرة مما جعلهم مكروهين من الشعب البائس الذي يعمل وينتج وهم يأخذون جهده فأصبحوا بأنظار الثورة جزءاً من المشكلة وركناً أساسياً من أركان الفساد والتي لابد من الخلاص منه لذلك ترى ڤولتير يقول (اشنقوا أخر ملك بأمعاء أخر قسيس) لذلك قامت الثورة بانتزاع أموال الكنيسة واعتبار تلك الثروة ملك الشعب واعتبرت رجال الدين موظفين تابعين للحكومة مدنيين وقطعت تبعيتهم للكنيسة وطالبتهم بالقسم على الدستور المدني

– لكن ياسيدي لماذا يتم قتلهم الان هل الثورة تنكر الدين وترفض الايمان

- كلا أيها الغريب الثورة يؤيدها العديد من الرهبان مثل الراهب الثائر ساييس لرفضهم الظلم الواقع على الناس أما الايمان فان قادة الثورة ليسوا أعداء للإيمان ولكنهم يرفضون الدين السائد الذي اصبح جزءا من الظلم والفساد ووجوده لا يجدي نفعا في رفع هذا الظلم وانظر إلى خطابات القادة الثوريين يقول روبسبيبر (إن الله تعالى أمر بالحكم الجمهوري منذ البداءة)إنه يعزو الثورة والجمهورية الى إرادة الله. اذاً هي إيمان عنده وتحقيق لإرادة الله كما يعتقدها ولذلك تراه يقول (انه مؤمن بوجود إله قادر عظيم يحافظ على البريء المظلوم ويعاقب المجرم الظافر )

أليس هذا ايمانا بالله ان روح الثورة مفعمة بالإيمان ولكنه ايمان بالله بطريقة مختلفة أولوياتها هي المبادئ الثورية الحرية والمساوة ولكل فرد الحرية في دينه ولكن الدين لا يحق لرجاله أن يكون لهم سلطة خاصة ونريد لمجتمعنا أن يعيش متعدداً ولن نقبل أن يفرض دين محدد مفاهيمه على الجميع بل منظومة أخلاقية عامة هي التي ستفرض

-أشكرك ياسيدي لقد تأخر الوقت وحل الليل والوضع الخطير يحتم علينا أن نتوقف هنا على أن تسمح لي أن أستزيد من معين حكمتك مرة أخرى

– ابتسم الحكيم: أرحب بك دائما

ومضيت في طريقي مستعيداً في ذهني ما قاله الرجل وقررت أن أفرد له مقالة أحدد فيها الملامح الرئيسية لكل ما سبق من رحلات.

والى الملتقى في المقالة القادمة.


النشر الأصلي

نُشر هذا النص في مجلة «أيام كندية» بتاريخ 4 فبراير 2018: قراءة المقال الأصلي.

© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذه النسخة، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي على الموقع.