العودة إلى المقالات
نص أرشيفي

من مرحلة سابقة من الكتابة والعمل الثقافي، يُعرض هنا بوصفه وثيقة من ذلك المسار، لا بوصفه صياغةً لمشروع المدرسة القيمية الحالي.

النشر الأصلي: 10 ديسمبر 2017 في أيام كندية.

قراءة المقال الأصلي

التحولات المدهشة والتغيير القادم

الباحث.. عمار مرعي

ضجيج هائل في كل مكان وهزات مذهلة تجتاح العالم جميعنا نرى ونراقب حجم التغييرات الهائلة التي تحدث في عالمنا وعلى كل المستويات الفكرية والاجتماعية والنفسية الدينية ومن ثم السياسية .

إنها لحظة انبثاقٍ جديدةٍ لعالمٍ مختلفٍ عن كل ما نعرف ،عالمٌ تنقلب فيه كل المسلمات لتصبح أموراً قابلة للنقاش والرفض عالم تتعدى فيه الأفكار كل خط احمر فينتهي اللون الأحمر كدلالة للمسموح التفكير فيه.

إنها كما أسميها دائماً النافذة الزمنية التي تفتح مرة كل حقبة من الزمن لتشكل عالما ًمختلفاً بكل المعايير عما كنا نعرفه فالمسلمات الآن جديدة والماضي المقدس أصبح مثاراً للتندر ودولاً جديدة و سياساتٍ وقواعدَ لعبٍ مختلفة تبدأ بالظهور ويقود كل ذلك الأقوياء العنيدون الذين يملكون من الصلابة ما يجعلهم يتحدون ويقفون في وجه العواصف العاتية ،حتى يتمكنوا من صياغة العالم الجديد بأفكارهم ويصبحوا الأساس المرجعي الجديد.

التاريخ يخبرنا عن كل القصص التي رافقت كل إنبعاثةٍ جديدةٍ أسستها فتحةُ زمنية هائلة .

لكي نفهم أكثر فلنتخيل أنفسنا نركب في آلة الزمن ونعود إلى الماضي ، تحط آلة الزمن بنا في عدة محطات، مختلفةٍ في الزمان والمكان.

لنبدأ بالمحطة الاولى:

• باريس عام (١٧٧٩) نفتح باب آلة الزمن لنرى هدوءً رائعاً وطبيعةً خلابة ً،الفلاحون البسطاء يعملون بجدٍ ونظام ، عربةٌ تجرها الخيول تمر بالطريق ،مزركشةْ يبدو من هيئتها أنها مملوكة لشخص مهم ، تتوقف فجأة لينزل منها رجلٌ وامرأة بثيابٍ فخمة، يصطف الناس والحرس ويقف الفلاحون احتراماً للرجل والمرأة ،يتقدم المسؤول عن الفلاحين نحو الرجل صاحب العربة ينحني ويقول :(احترامنا سيدي الكونت ـ-وهي مرتبة من مراتب النبلاء في فرنسا-- نرحب بحضرتكم في ارضكم ونتشرف ان نكون خدمكم نرحب بكم، إنها لحظةٌ عظيمةٌ أن نراكم ،الكونت يبتسم مؤكداً ما قاله رئيس الفلاحين ويمضي بأبهة كما أتى.

• دردشةٌ خفيفة تبدأ قبل العودة إلى العمل فلاح ٌيقول لأخر بجانبه: هل رأيت ما أعظم الكونت!

• يجيب الأخر: فعلا! كم هو حنون حتى يضيع من وقته الثمين ليزورنا، حقاً إنها أخلاق النبلاء.

• نبتعد قليلاً لنصل إلى القرية المجاورة، لنرى عرساً، فتاةٌ بكر ستتزوج الليلة، ينتهي العرس لكن لم تذهب العروس مع عريسها بل تزف أولاً الى بيت الكونت النبيل لتتشرف بالخلاص من بكارتها على يد النبيل وتعود بعد ذلك الى عريسها الذي لا يفكر حتى بما حصل وكأنه قدر رباني وأمر مسلَّم به.

• يكفينا اليوم مشاهدات لنركب ونشغل آلة الزمن تظهر لنا نافذة زمنية هائلة تُفتَح وتعيدنا إلى نفس المكان ولكن بزمانٍ مختلف، بعد احدى عشرة عام

• –صخبٌ في كل مكان الناس الوديعون ثائرين، يلعنون من كان صاحب النعمة عليهم سابقاً يُضرٍمون النار في أملاكه، رجلُ دينٍ مُقرّب من الكونت مقيدٌ بأغلاله، يأخذونه الى المقصلة.

• رجلٌ أخر واقفٌ يخطب بكلمات جديدة كلياً على القاموس اللغوي في تلك الحقبة يصرخ: المساواة ،..العدالة ..الحرية ..القصاص. ..الموت للملك والجماهير تصرخ ورائه في مشهدٍ دراماتيكيي انقلابي.

• نتوقف عند هذه النقطة في قصتنا لنكمل فيما بعد شرحها اكثر في مقالة أخرى

• الملاحظ مما سبق أن تغييراً كبيراً هائلاً قد حصل، زلزال بكل المقاييس الفكرية النفسية والاجتماعية غيرت كل ما كان سائداً ومقدساً لمئات السنين لتبدأ مرحلة تاريخية جديدة ولحظةُ مفارقةٍ أزلية، حياةٌ جديدةٌ بالكلية سببتها الفتحة الزمنية التي لها ظروفها الموضوعية واسبابها العلمية إنها سننٌ كونية ٌتُحدِث اختراقاً في الزمن وتحولات مدهشة.

إن النافذة الزمنية والتغييرات الكبرى وحسب سنن التاريخ المقروء تأتي على شكل موجات متلاحقة كل موجة منها تحدد زاوية وجانباً تعمل فيه بأدواتها التغييرية المدهشة ومن شدتها قد تنهي لغة حية وتضرب قيماً كبرى كانت مقدسة وتنهي روابط وأشكالاً إجتماعية كانت فوق النقاش في ذهنية الجمهور وقد تنهي أدياناً بقيت مدار الإيمان للشعوب قروناً كثيرةً من الزمن{أين أديان السومريين والمصريين القدماء والتي استمرت لآلاف السنين على سبيل المثال}.

إن التغير هو سُنُّةْ دائمة ٌفاعلة ٌأبديةٌ أزلية، تتحكم في حياة الامم ولا يوجد مكان للاستقرار في الحياة بالمعنى الحضاري بل الحركة دؤوبة والتغيير مستمرٌ،

وقد يكون جارفا ً أحياناً وكما قال الفلاسفة قديماً{فكرة التغير تشبه جريان الماء بالنهر فعندما يجري يبقى نقياً أما عندما لا يتحرك فإنه يأسن أي يخرب وتنتشر رائحته النتنة} إن التغير قانون الوجود، وإن الاستقرار موت وعدم.

{كيف كانت النوافذ الزمنية السابقة تاريخياً ما هي التغييرات الهائلة التي حصلت حتى أدت إلى كل هذا التغيير ونتحدث هنا عن التغيير الحضاري والذي يرافقه تغيير جيوسياسي وتغيير فكري ونفسي كامل ، ظهور فلسفاتٍ جديدةٍ تُبدِل كل العلاقات الاجتماعية والمنظومات الأخلاقية وبالتالي يُبنى عليها مفاهيم وقواعد اجتماعية واقتصادية وقانونية جديدة بالكلية .

إن الإجابة على هذا السؤال الأخطر تتطلب دراسة عميقة وهادئة واستخداماً لوسائل البحث العلمي وتكاد تكون أهم قضية يمكن العمل عليها في هذا الوقت الخطير .

كي نكون مستعدين كي نكون فاعلين حضاريين في العالم من خلال فهم النافذة الزمنية والشروط المجتمعية التي لابد من توافرها وتمام الجاهزية من خلال عمل دؤوب وطرحٍ ثقافي شامل .

ولعلنا نكتب في هذا الموضوع تفصيلات نرحل في كل مرة مع آلة الزمن نقف في محطةٍ مختلفةٍ زمانا ًومكاناً ، نراقب ظهور الفتحة الزمنية ،ونغوص فيها في التاريخ وأحياناً نُبحِر في المستقبل ونستشرف من خلال القوانين والسنن استقراءاتٍ يمكن أن تحدث .

وإلى الملتقى إن أمدنا الله بالعمر .

الباحث: عمار مرعي


النشر الأصلي

نُشر هذا النص في مجلة «أيام كندية» بتاريخ 10 ديسمبر 2017: قراءة المقال الأصلي.

© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذه النسخة، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي على الموقع.