العودة إلى المقالات
بيانات المقال

الإتاحة العامة على هذا الموقع: .

سبق تقديم موضوع هذا المقال في محاضرة خاصة عبر Zoom بتاريخ ، ولم يكن تسجيلها منشورًا للعامة.

حين لا تكفي المبادئ الحسنة

من يستحق الرحمة؟ قراءة في حدود الحماية باسم القيم

عمار مرعي

في الخامس من فبراير عام 1794، وقف روبسبير أمام المؤتمر الوطني الفرنسي ليشرح مبادئ الأخلاق السياسية التي ينبغي أن تحكم الجمهورية. في ذلك الخطاب ربط بين الفضيلة والإرهاب، وقدّم الإرهاب بوصفه عدالة سريعة صارمة لا تنفصل عن الفضيلة بل تنبثق منها. لكنه لم يتخلَّ في الخطاب نفسه عن لغة الرحمة؛ استدعاها للضعفاء والأبرياء، وحذّر من توجيه العنف إلى المواطنين المسالمين. ثم حدّد من هم هؤلاء: الحماية الاجتماعية لا تُستحق إلا للمسالمين، ولا مواطنين في الجمهورية إلا الجمهوريون.

هذه المجاورة بين الدعوة إلى الرحمة وتبرير الإرهاب هي ما يستحق التوقف عنده. فالمحاكم الثورية أصدرت في عام ونيّف نحو ستة عشر ألف حكم إعدام رسمي بحسب إحصاء دونالد غرير، أما خطاب روبسبير فيقدّم الإرهاب لا باسم القسوة ولا باسم الشهوة إلى السلطة، بل باسم العدالة، وفي لغة تذكر الرحمة. ولا يكفي هذا الخطاب وحده لتفسير جميع تلك الأحكام. والسؤال الذي يفرضه هذا النص ليس: هل كان روبسبير صادقًا؟ فالصدق لا يُختبر في الخطب. السؤال هو: ماذا يثبت إعلان التمسك بقيمة عن الفعل الذي يُرتكب باسمها؟ قد يخبرنا الإعلان بشيء عن لغة الفاعل وتبريره، لكنه لا يمنحنا وحده حكمًا على عدالة الفعل. اسم القيمة بداية السؤال، لا خاتمة البحث.

ما الذي فُعل بالرحمة؟

من التفسيرات الشائعة للشر أن الفساد يبدأ حين تُهزم القيم الصحيحة أمام قيم باطلة: فالظلم يأتي من حب الظلم، والقسوة من حب القسوة. وهو تفسير مريح لأنه يجعل المعركة واضحة؛ نحن أصحاب القيم وهم أعداؤها. لكن خطاب روبسبير لا يستجيب لهذا التفسير. ففيه لا تُهزم الرحمة أمام قيمة معادية لها، ولا تغيب عن النص أصلًا. إنها حاضرة، ومطلوبة، ومحددة المجال.

وهنا ينبغي التمييز بين احتمالين يبدوان متقاربين وهما مختلفان. الاحتمال الأول أن تُسكَت قيمة باسم قيمة أخرى: تُخرَج الرحمة من الغرفة حين تدخل العدالة الثورية، فيصبح ذكرها خيانة. والاحتمال الثاني أن تُستبقى القيمة ويُعاد تعريف مجالها: تبقى الرحمة واجبة، لكن القيمة الحاكمة هي التي تقرر من يستحقها. النص يدعم الاحتمال الثاني في هذه الحالة تحديدًا. الرحمة لم تُطرد؛ جُعلت تابعة، فصار تحديد دائرة المستحقين لها هو الموضع الذي تُمارَس فيه السلطة فعلًا. ومن هنا أقرأ في بنية الخطاب مشكلة تتجاوز حضور الرحمة أو غيابها: لمن تُمنح الحماية، ومن يملك سلطة الاستبعاد؟

أقول هذا بوصفه قراءة لنص واحد، لا تفسيرًا لعنف الثورة الفرنسية كله؛ ففي ذلك العنف خوف ومصلحة وصراع على السلطة، وهي احتمالات ينبغي فحصها ولا يجوز إسقاطها لصالح تفسير أخلاقي واحد. ولا أدّعي أن ما أصفه ظاهرة عامة؛ تعميمه يحتاج إلى مقارنة بحالات أخرى لم تُنجز هنا. ما أدّعيه أضيق: أن هذا النص يُظهر شكلًا من إساءة استعمال القيمة لا يمر بإنكارها، وأن هذا الشكل أصعب على الكشف من الإنكار، لأن الفاعل فيه يحتفظ بأسماء القيم، وقد يعتقد أنه لم يتخلَّ عنها.

ولا يكفي تضييق مجال القيمة وحده لإثبات إساءة استعمالها؛ فكل تطبيق يحتاج إلى تحديد من يشمله. موضع الاعتراض هنا هو اتخاذ الموقف السياسي معيارًا لاستحقاق الحماية، بدل فحص الفعل المنسوب إلى الشخص بأدلة وضمانات يمكن الدفاع عنها. يصبح التحديد تعسفيًا حين يحلّ الانتماء محلّ الإثبات، ويُحرم المختلف من مناقشة أسباب استبعاده.

ثلاثة أنواع ينبغي ألا تُخلط

لكي يكون النقاش دقيقًا، أقترح تقسيمًا تحليليًا قابلًا للمراجعة. حين يُرتكب فعل ظالم باسم قيمة، فنحن أمام أحد ثلاثة احتمالات. الأول أن يكون المبدأ نفسه فاسدًا، كعقيدة التفوق العرقي؛ وفيها يتجه النقد إلى المضمون نفسه، من دون أن يغني الحكم عليه عن تفسير نشأته وتأثيره. الثاني أن يكون المبدأ صحيحًا وأُسيء استعماله، إما بإسكات ما يجاوره وإما بإعادة تعريف مجاله كما رأينا؛ وقد يعتقد صاحب هذه الحالة أنه يحمي الخير، لكن سوء الاستعمال لا يثبت وحده طبيعة نيته. الثالث أن يُتخذ المبدأ ستارًا لمصلحة أو سلطة؛ وهنا يعرف صاحبه أنه لا يخدم القيمة، لكنه يستخدم اسمها.

وقد يُقال إن أكثر ما نسميه إساءة استعمال ليس سوى نفاق من النوع الثالث، وإن أصحاب السلطة لا يؤمنون بالعدالة أو الوطن فعلًا. وهذا اعتراض مهم، وجوابي عنه أن النوع الثالث يعيش على ثقة قائمة لا يخترعها: فمن يستخدم قيمة ستارًا يحتاج إلى جمهور يمنح تلك القيمة مكانة تجعل اسمها كافيًا للتبرير، وقد تكون هذه الثقة إيمانًا بالقيمة، أو خوفًا، أو ولاءً. والواقع أعقد من هذه الأقسام، وقد تجتمع في الشخص نفسه قناعة ومصلحة، وقد يبدأ القائد مؤمنًا ثم يتحول إلى مستثمر. لكن التقسيم يظل نافعًا لأنه يمنعنا من رد كل شيء إلى النفاق، ومن رد كل شيء إلى الإخلاص.

حالة تاريخية ونص معياري

أعرض الآن مادتين مختلفتي الطبيعة، وأعلن وظيفة كل منهما حتى لا يُطلب من إحداهما ما لا تعطيه.

الأولى حالة تاريخية. في سنة سبع وثلاثين للهجرة خرجت من جيش علي بن أبي طالب جماعة ترفع شعارًا لا يختلف مسلمان على صدقه: لا حكم إلا لله. وتصفهم روايات بشدة العبادة، وهو وصف لا يكفي وحده للحكم على دوافع جميع أفرادهم. ثم كفّروا من خالفهم، فأخرجوه من جماعة المؤمنين التي تجب لها الحرمة، وانتهى الأمر إلى قتل عبد الله بن خبّاب وبقر بطن زوجته كما يروي الطبري. وردّ عليهم علي بجملة تميّز بين صدق الكلمة وما يُراد بها، كما في صحيح مسلم: «كلمة حق أُريد بها باطل». لم يقل إن الشعار باطل؛ أقرّ بأن الكلمة حق، ووضع الخلل في ما أُريد بها. ووظيفة هذه الحالة هنا محدودة: هي تُظهر أن التركيب الذي قرأناه في خطاب روبسبير، أي استبقاء القيمة مع تضييق دائرة من تشمله، ليس خاصًا بالثورة الفرنسية ولا بالخطاب العلماني، وأن تقليدنا نفسه ميّز مبكرًا بين صدق الكلمة وصلاح ما يُراد بها. وهي لا تثبت قانونًا، ولا تكفي حالتان لإثباته.

الثانية نص معياري، وظيفته مختلفة تمامًا. في صحيح البخاري: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فسُئل النبي ﷺ كيف يُنصر ظالمًا، فقال: «تأخذ فوق يديه». هذا النص لا يصف ما حدث في التاريخ، بل يحدد ما ينبغي فعله، ولذلك لا أستشهد به على آلية تاريخية. أستشهد به على إمكان أخلاقي: أن قيمة الانتماء يمكن أن تُستبقى بصيغتها القديمة نفسها، ويُعاد وصلها بما هو أعلى منها، فتصير نصرة الظالم بمنعه من الظلم. هنا يتغيّر معنى نصرة القريب: يصبح منعه من الظلم وجهًا من وجوه مساعدته، وتترتب على ذلك حماية المتضرر. فالتغيير يقع في معنى فعل النصرة، ولا يصرّح النص بتوسيع دائرة الانتماء نفسها. ومن هنا صلته بحالة روبسبير: إنه يعالج المشكلة من الجهة المقابلة، إذ يجعل معيار النصرة فعلًا يُفحص، فلا يكون الانتماء وحده مسوّغًا للمساندة. وأقرأ هذا بوصفه دعوة إلى تدقيق معنى المساندة، لا دليلًا على كيفية تصرف الجماعات فعلًا؛ فالفرق بين ما يأمر به النص وما يفعله الناس باسمه هو موضوع هذا المقال كله.

الاعتراض

وقد يُعترض بأن المشكلة كلها إساءة استعمال القيم، ولا جديد في التحذير منها. الاعتراض وجيه، لكنه يترك عملًا لم يُنجز. فالتحذير العام لا يقول لنا أين نبحث عن الإساءة، ويترك الباب مفتوحًا لأن نصف ما نرفضه بأنه تشويه للقيمة وما نؤيده بأنه تحقيق لها، من غير معيار للحكم بينهما. ما يقدمه هذا المقال أضيق من نظرية وأكثر من تحذير: اقتراح بموضع محدد يُبحث فيه عن الإساءة، هو تعريف دائرة من تشملهم القيمة. فحين تُعلَن قيمة ويُرتكب باسمها ما يناقضها، فالسؤال الأول ليس هل الفاعل صادق، ولا هل القيمة صحيحة، بل: من أُخرج من دائرتها، وبأي سلطة؟ هذا سؤال يمكن طرحه على كل حالة على حدة، ويمكن أن تجيب عنه حالة بالنفي، وعندها يكون التركيب الذي وصفته غائبًا فيها، وهذا مما أريد أن أعرفه.

خاتمة

لا يعني الاهتمام بالنتائج أن النجاح العملي يبرر كل وسيلة، فقد يحقق قرار غايته ويظل ظالمًا في طريقته. ولا تثبت النتيجة السيئة وحدها فساد المبدأ، فقد تكشف خطأً في التقدير. لكن التمسك بالمبادئ لا يعفينا من شرح أفعالنا والدفاع عن أسبابها؛ بل يضاعف هذه المسؤولية، لأن الاقتناع بنبل الغاية قد يحجب عن صاحبها تبعات الوسيلة.

هذا ما يدفعني إلى البحث في القيم كما تُمارَس، لا كما تُعلَن. وحين نسأل عن قيمة نعتز بها، لعل البداية الأجدى أن نختار قرارًا واحدًا اتُّخذ باسمها، ثم ننظر إليه من موقع من تحمّل أثره، ونسأل: هل كان داخل دائرة القيمة حين اتُّخذ القرار، أم كان قد أُخرج منها قبل ذلك؟ هناك تصبح المسافة بين ما نقوله وما نفعله قابلة للفحص.


مصادر

خطاب روبسبير «في مبادئ الأخلاق السياسية»، 18 بلوفيوز السنة الثانية (5 فبراير 1794): النص على ويكي مصدر · Donald Greer, The Incidence of the Terror during the French Revolution (Harvard University Press, 1935): الكتاب · صحيح مسلم، كتاب الزكاة، رواية 1066g، وفيها قول علي: sunnah.com · صحيح البخاري، كتاب المظالم، حديث 2444: sunnah.com · الطبري، تاريخ الرسل والملوك، أحداث سنة 37هـ.


© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذا المقال، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي.