العودة إلى المقالات
بيانات المقال

الإتاحة العامة على هذا الموقع: .

سبق تقديم موضوع هذا المقال في محاضرة خاصة عبر Zoom بتاريخ ، ولم يكن تسجيلها منشورًا للعامة.

من يملك تعريف الشرط؟

في السلطة التي تُطاع ولا تُقدَّس

عمار مرعي

في حادثة يرويها البخاري في كتاب الأحكام، بعث النبي ﷺ سريّةً وأمّر عليها رجلًا، فغضب الأمير على من معه في الطريق، فأمرهم أن يجمعوا حطبًا ويوقدوا نارًا ثم يدخلوها. فهمّ فتيان أن يفعلوا، ثم توقّفوا وقال بعضهم لبعض: إنما فررنا إلى النبي ﷺ من النار. فمكثوا حتى خمدت النار وسكن غضب الأمير. فلما بلغ النبيَّ ﷺ خبرُهم قال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف».

أقف عند تفصيل في هذه الحادثة يمرّ عليه القارئ عادةً مرور العابر. الأمير لم يكن مغتصبًا للسلطة، بل مؤمَّرًا بتأمير شرعي، وأمره صدر عن موقع قائم لا عن ادّعاء. والجنود لم يخلعوا طاعته ولم ينازعوه إمرته. ما فعلوه شيء واحد فقط: حكموا هم في حدّ طاعته، ولم يتركوا الحكم فيه له. ولم يُنكر النبي ﷺ عليهم هذا، بل صحّحه، وأعلن أن الطاعة إنما تكون في المعروف.

هذا التفصيل هو موضوع هذا المقال. فليس سؤالي: هل تُطاع السلطة أم لا تُطاع؟ ولا: هل طاعتها مطلقة أم مشروطة؟ سؤالي أضيق وأعسر: حين نتفق على أن الطاعة مشروطة، من يملك تعريف الشرط؟

الشرط الذي يبتلعه المشروط

الطاعة في أصلها ليست علامة مرض. تبدأ السلطة من حاجة بسيطة: أن يتخذ الناس قرارًا مشتركًا، وأن يلتزم بعضهم بما لا يستطيع كل فرد أن يقرره منفردًا. ولذلك لا يكفي رفض الطاعة لبناء مجتمع حرّ، كما لا يكفي إعلان اشتراطها لحمايته.

وهنا موضع الخلل الذي أريد تسميته. كل سلطة تقريبًا تقبل، في لغتها المعلنة، أن طاعتها مشروطة. الحاكم يقول إنه في خدمة القانون، والمؤسسة تقول إنها في خدمة رسالتها، والجماعة تقول إنها في خدمة مبدئها. لا أحد يعلن أن طاعته مطلوبة لذاته. لكن الإعلان لا يكلّف شيئًا ما دام صاحب السلطة هو نفسه من يحدّد متى تحقّق الشرط ومتى انتفى.

فإذا كان الحاكم هو الذي يقرّر ما «المعروف»، ثم يقرّر أن معارضه لم يفهم المعروف، ثم يقرّر أن الاعتراض نفسه ليس من المعروف — فقد بقي الشرط في اللغة كاملًا، وانتقلت السلطة في الواقع إلى شخصه بتمامها. الشرط الذي يعرّفه المشروط ليس شرطًا، بل صيغة مهذّبة للإطلاق.

ولاحظ أن هذا الابتلاع لا يحتاج إلى سوء نيّة. قد يكون شاغل السلطة صادقًا في اعتقاده أنه يخدم المبدأ، وأنه أعرف الناس بمقتضياته بحكم موقعه وخبرته وما يطّلع عليه ولا يطّلع عليه غيره. بل إن صدقه هو ما يجعل احتكاره التعريفَ يبدو له واجبًا لا امتيازًا. وهذه هي الصورة الأخطر، لأن صاحبها لا يشعر أنه أخذ شيئًا.

أين يضع النصّ تعريف الشرط؟

أقرأ في هذا الموضع آيتين متجاورتين في سورة النساء، بوصفهما موردًا لقراءتي لا برهانًا ملزمًا لكل قارئ، ولا اختصارًا لتاريخ الفكر السياسي الإسلامي كله.

تتقدّم الأولى على ما يُستشهد به عادةً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء 58). فالخطاب يبدأ بالأمانة والعدل، أي بوصف الوظيفة وشرطها، قبل أن يصل في الآية التالية إلى الطاعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء 59). والترتيب نفسه دلالة: الأمانة أولًا، والطاعة ثانيًا وتابعة.

ثم يأتي ما هو، في قراءتي، أدقّ ما في الآية. لم يقل النصّ: فإن تنازعتم فارجعوا إلى أولي الأمر. لو قال ذلك لكان قد جعل صاحب السلطة خصمًا وحكمًا في آن. بل قال: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وفي هذه القراءة، تضع الآية مرجعًا لا يترك الفصل في الشرط للمُطاع وحده. فهي لا تكتفي باشتراط الطاعة، بل تجعل موضع الفصل في الشرط خارج المُطاع. وهذا هو الفرق الذي يقوم عليه كل ما بعده: بين سلطة تقول إن طاعتها مشروطة، وسلطة لا تملك أن تفصل وحدها في شرطها.

وحادثة النار التي بدأنا بها هي هذه القاعدة وقد نزلت إلى الأرض. الجنود لم يرفعوا الأمر إلى الأمير ليحكم في أمره؛ ردّوه إلى معيار يعرفونه هم أيضًا، ويستطيعون الاحتجاج به في مواجهته. ولذلك كان امتناعهم انضباطًا لا تمرّدًا، وكان تصحيح النبي ﷺ لهم إقرارًا ببنية، لا عفوًا عن مخالفة.

الشخص والموضع

من هنا يظهر ما يجعل نقد السلطة أصعب من نقد قرار منفرد. فالقرار يمكن أن يُراجَع بوصفه قرارًا. أما السلطة حين تتشخصن فتطلب أن يُقرأ كل قرار بوصفه امتدادًا لفضيلة صاحبها أو لحقّه في الطاعة. وعند هذه النقطة يتوقّف السؤال عن الفعل، ويبدأ السؤال عن ولاء الناقد.

وقد أفاد كلود لوفور في تسمية جانب من هذا حين وصف السلطة في الديمقراطية بأنها «مكان فارغ»: لا يتجسّد نهائيًا في شخص أو حزب يدّعي تمثيل المجتمع كله، بل يُشغَل مؤقتًا ويُغادَر. وأضيف إلى ذلك ما يقتضيه سؤالي: أن فراغ الموضع لا يكفي وحده. فقد يُشغَل الموضع مؤقتًا وبالتناوب، ويبقى شاغله في أثناء شغله محتكرًا لتعريف الشرط الذي يُحاسَب به. الموضع الفارغ يمنع التملّك الدائم، ولا يمنع بذاته احتكار المعنى. والسؤال الذي أضيفه إلى سؤال «من يملك الموضع؟» هو: من يملك تعريف شرط شغله؟

لماذا لا تكفي فضيلة الحاكم

يقابل هذا سؤالٌ صاغه كارل بوبر صياغة نافعة: بدل أن يكون السؤال السياسي الأول «من ينبغي أن يحكم؟»، ينبغي أن نسأل كيف تُنظَّم المؤسسات بحيث نحدّ من ضرر الحاكم السيئ ونستطيع تغييره من غير عنف. وفي هذا تحرير حقيقي من انتظار المنقذ: فالنظام الذي لا يعمل إلا بحاكم حكيم عادل نظام هشّ، وإن بدا مستقرًا في عهد حاكم جيد.

لكن سؤالي يختلف عن سؤال بوبر في موضع واحد، وهو موضع مشروعي كله. بوبر يعالج الضرر الآتي من الحاكم السيئ. وأنا أزعم أن احتكار تعريف الشرط لا يقتضي حاكمًا سيئًا أصلًا؛ إنه ينشأ في ظلّ الحاكم الصالح بيُسر أشدّ، لأن صلاحه هو ما يجعل الناس يسلّمون إليه تعريف صلاحه. فالمشكلة التي أصفها ليست في المبدأ، ولا في نيّة القائم به، بل في موضع تعريفه. ولهذا لا ينبغي أن يتوقّف أمن الناس على بقاء الحاكم فاضلًا: فالفضيلة الفردية لا تثبت، والجماعة قد تختلف في تقدير ما يقتضيه الصلاح، والسلطة الأكثر أمانًا هي التي تستطيع الجماعة مراجعتها حتى حين لا يكون شاغلها سيّئ النيّة.

ولا يعني هذا أن المؤسسات محايدة أو معصومة؛ فقد تنحرف هي نفسها، وقد تستعمل إجراءات المراجعة لإعادة إنتاج القوة بدل الحدّ منها. لكن الفرق بين بنية قابلة للنقد وبنية معفاة منه لا يزول بهذا الاعتراض: الأولى تسمح بتسمية فشلها، والثانية تميل إلى قراءة كل نقد بوصفه تهديدًا.

ولا يكفي هنا أن نطلب من أصحاب السلطة التواضع. التواضع فضيلة نافعة، لكنه ليس نظامًا للمساءلة. وإذا كانت السلطة لا تُراجَع إلا حين يتفضّل شاغلها بالسماح بمراجعتها، فالمسألة لم تُحلّ، بل بقي باب التصحيح تابعًا لإرادة من يُفترض أن يخضع له.

هل هذا دعوة إلى الفوضى؟

هذا هو الاعتراض الأقوى: إذا لم تُمنح السلطة هيبة تعلو على المساءلة، فمن يطيع؟ وإذا بقي كل شيء قابلًا للنقاش، فمتى يُتخذ قرار؟

والاعتراض يفترض أن الخيارين اثنان: إعفاء أو فوضى. وهناك ثالث، هو الذي يصفه هذا المقال: طاعة يلتزم بها الناس لأنهم يعترفون بالوظيفة وبالإجراء، مع بقاء تعريف حدّها خارج يد شاغلها. القرار في هذا الوضع نافذ من غير أن يكون فوق السؤال، والاعتراض ممكن من غير أن يكون نقضًا للاجتماع نفسه.

بل إن الأمر أدقّ من ذلك. الخطر لا يبدأ حين يظهر الاعتراض، بل حين يصير الاعتراض مستحيلًا؛ ولا حين يفشل قرار، بل حين لا يعود في يد الجماعة ما تسمّي به الفشل فشلًا. ومن ثمّ فالسلطة التي تُطاع ولا تُقدَّس ليست سلطة ضعيفة؛ إنها سلطة تعرف حدّها، وقوّتها آتية من قدرتها على أداء وظيفتها مع بقاء قرارها قابلًا للفحص، وشاغلها قابلًا للتغيير، ومعيارها أعلى منه.

خاتمة

لا تُطاع السلطة لأنها فوق السؤال، بل لأنها تؤدّي وظيفة يحتاجها الناس ضمن شروط يمكن فحصها. ولا تُحترم المؤسسة حين تُحمى صورتها من النقد، بل حين تمارس وظيفتها وتقبل في الوقت نفسه أن قرارها ليس آخر ما يمكن أن يُقال.

وأخلص من ذلك إلى صيغة واحدة أقدّمها للنقاش: أن نزع القداسة عن السلطة ليس إلغاءها، وأن الفارق الحاسم ليس في إعلان الشرط بل في موضع تعريفه. فحيثما كان الشرط في يد المشروط، فالإطلاق قائم مهما رقّت لغته؛ وحيثما كان خارج يده، فالطاعة تبقى طاعةً لوظيفة، لا إعفاءً لشخص.

ويبقى بعد ذلك سؤال أتركه مفتوحًا، لأنه يُسأل في كل موقع لا في موقع الحكم وحده — في المؤسسة، وفي الجماعة، وفي الحقل العلمي: حين يُقال لك إن هذا الالتزام مشروط، فمن الذي يملك أن يقول لك إن الشرط قد تحقّق؟


مصادر

صحيح البخاري، كتاب الأحكام، حديث 7145، وفيه قصة السريّة والنار وقوله ﷺ «إنما الطاعة في المعروف»: sunnah.com · القرآن الكريم، النساء 58: quran.com · النساء 59: quran.com · Claude Lefort, Democracy and Political Theory, trans. David Macey (Polity Press, 1988) · Karl Popper, The Open Society and Its Enemies, vol. 1, ch. 7.


© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذا المقال، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي.